الشيخ محمد النهاوندي
187
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
وَلَدْنَهُمْ ووضعنهم من بطنهنّ على الأرض وَإِنَّهُمْ الأزواج لَيَقُولُونَ بقولهم : إنّهنّ كامّهم في الحرمة الأبدية مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ ومخالفا للشرع والعقل من الكلام وَزُوراً وباطلا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ وكثير التجاوز عن الذنوب التي منها هذا القول ، إن تاب أو إن لم يتب غَفُورٌ وستّار للمعاصي بجوده وكرمه . ثمّ أنّه تعالى بعد بيان عدم تأثيره [ في ] تأييد حرمة الزوجة على الزوج ، بيّن ما يترتّب عليه في دين الاسلام بقوله : وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ويقولون لهنّ هذا القول المنكر ثُمَّ يندمون و يَعُودُونَ لِما قالُوا من الظّهار ، ويرجعون عمّا عزموا عليه من الاجتناب من الزوجة بقولهم ذلك إلى إلغائه والاستمتاع منها . وقيل : يعني يعودون إلى ما حرّموا على أنفسهم بلفظ الظّهار من الاستمتاع « 1 » ، وعليه نزّل القول منزلة المقول فيه فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ واعتاق إنسان مملوك من قيد الملكية واجب عليه ، سواء أكان المملوك ذكرا أو أنثى ، صغيرا أو كبيرا ، مؤمنا أو كافرا ، ولا بدّ أن يكون التحرير مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ويتلاقيا بشهوة واستمتاع ذلِكُمْ التحرير أيّها المؤمنون ليس لتعريضكم للثواب بالتحرير ، بل الغرض إنّكم تُوعَظُونَ وتنزجرون بِهِ ممّا ارتكبتم من القول المنكر والزّور ، وترتدعون عنه ، أو تؤمرون به وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ من الظّهار والتكفير ونحو ذلك من القليل والكثير خَبِيرٌ ومطّلع ، ومجازيكم عليه فَمَنْ لَمْ يَجِدْ من المظاهرين الرقبة بأن لا يضملكها ولا يمكنه تملّكها بالعوض لفقره ، أو لعدم وجودها « 2 » في بلده ونواحيه حين إرادة التكفير فَصِيامُ شَهْرَيْنِ هلاليين مُتَتابِعَيْنِ واجب عليه بأن يصوم شهرا هلاليا ويوما من الشهر الآخر متواليين بلا فصل بين الأيام ، ثمّ يتمّ الشهر الآخر متواليا أو متفرقا مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ويتجامعا « 3 » ويتقاربا بشهوة فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ صيام شهريت بالكيفية المذكورة ، ولم يطق ذلك لضعف البنية أو للهرم أو للمرض أو لخوفه فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً وإشباع هذا العدد من الفقراء بالإباحة أو بتمليك كلّ واحد مدّا من الطعام قبل أن يتماسّا ، وإنّما جعلنا ذلِكَ الحكم الموافق للحكمة بالبيان المعجز لِتُؤْمِنُوا وتصدّقوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ولا تستمرّوا على حكم الجاهلية ، من القول بأنّ الظّهار أشدّ أنواع الطلاق ، وكونه محرّما أبديا للزوجة وَتِلْكَ الأحكام حُدُودُ اللَّهِ وشرائعه المقرّرة في دينه الذي هو مرتضيه « 4 » ، لا بدّ من إطاعتها والعمل بها وَلِلْكافِرِينَ والمنكرين لها في الآخرة عَذابٌ أَلِيمٌ وموجع غايته .
--> ( 1 ) . تفسير الرازي 29 : 256 ، تفسير أبي السعود 8 : 216 . ( 2 ) . في النسخة : وجوده . ( 3 ) . في النسخة : يجامعا . ( 4 ) . في النسخة : مرضيّة .